ابن قيم الجوزية

676

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

منه البدعة ، وجعله من أهلها صار أيضا نائبه ، وداعيا من دعاته . فإن أعجزه من هذه المرتبة ، وكان العبد ممن سبقت له من اللّه موهبة السنة ، ومعاداة أهل البدع والضلال ، نقله إلى المرتبة الثالثة من الشر . وهي الكبائر على اختلاف أنواعها . فهو أشد حرصا على أن يوقعه فيها . ولا سيما إن كان عالما متبوعا . فهو حريص على ذلك ، لينفر الناس عنه ، ثم يشيع ذنوبه ومعاصيه في الناس ، ويستنيب منهم من يشيعها ويذيعها تدينا وتقربا بزعمه إلى اللّه تعالى ، وهو نائب إبليس ولا يشعر . فإن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة . هذا إذا أحبوا إشاعتها وإذاعتها . فكيف إذا تولوا هم إشاعتها وإذاعتها ، لا نصيحة منهم ، ولكن طاعة لإبليس ونيابة عنه . كل ذلك لينفر الناس عنه ، وعن الانتفاع به . وذنوب هذا - ولو بلغت عنان السماء - هي أهون عند اللّه من ذنوب هؤلاء ، فإنها ظلم منه لنفسه ، إذا استغفر اللّه وتاب إليه قبل اللّه توبته ، وبدّل سيئاته حسنات . وأما ذنوب أولئك : فظلم للمؤمنين ، وتتبع لعوراتهم ، وقصد لفضيحتهم . واللّه سبحانه بالمرصاد ، لا تخفى عليه كمائن الصدر ، ودسائس النفوس . فإن عجز الشيطان عن هذه المرتبة نقله إلى المرتبة الرابعة : وهي الصغائر التي إذا اجتمعت فربما أهلكت صاحبها . كما قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « إياكم ومحقّرات الذنوب ، فإن مثل ذلك مثل قوم نزلوا بفلاة من الأرض » وذكر حديثا معناه : أن كل واحد منهم جاء بعود حطب ، حتى أوقدوا نارا عظيمة فطبخوا واشتووا . ولا يزال يسهل عليه أمر الصغائر حتى يستهين بها . فيكون صاحب الكبيرة الخائف منها أحسن حالا منه .